تتعرض مدينة كوباني (عين العرب)، ذات الغالبية الكردية شمالي سوريا، منذ أسابيع لحصار خانق تفرضه فصائل تابعة لما يُعرف بـ«السلطة السورية المؤقتة» ممثلة بـ«هيئة تحرير الشام»، ترافقه حملة ممنهجة من السلب والنهب طالت عشرات القرى الكردية في ريف المدينة، عقب نزوح سكانها قسراً نتيجة العمليات العسكرية.
ويعاني سكان مدينة كوباني من حصار مشدد حال دون دخول المواد الغذائية والطبية والمستلزمات الأساسية، ما أدى إلى تدهور حاد في الأوضاع المعيشية والصحية. وسُجّل انعدام شبه تام للأدوية، ولا سيما أدوية الأمراض المزمنة، إلى جانب نفاد حليب الأطفال، وتراجع حاد في توفر الخضروات والمواد الغذائية في الأسواق.
كما تسبب الانقطاع الكامل للتيار الكهربائي بتعطيل أقسام حيوية داخل المشافي، وفاقم نفاد الوقود من معاناة السكان، حيث يقطن المدينة وريفها أكثر من 500 ألف نسمة، باتوا محرومين من التدفئة والإنارة وضخ المياه، في ظل ظروف مناخية قاسية.
وأعلنت هيئة الطاقة في كوباني أن انقطاع التيار الكهربائي ألحق أضراراً جسيمة بمختلف جوانب الحياة، ودعت الحكومة السورية المؤقتة إلى اتخاذ خطوات فورية لإصلاح الأعطال وإعادة تغذية المدينة بالكهرباء، دون استجابة تُذكر.
وفي 4 شباط/فبراير 2026، كشفت مؤسسة المياه في مدينة كوباني، في بيان رسمي عن خروج 14 محطة مياه للشرب عن الخدمة بسبب انقطاع الكهرباء، مؤكدة أن المدينة وقرى ريفها تعاني من انقطاع المياه منذ نحو 20 يوماً، ما يهدد حياة السكان. كما أشار البيان إلى إخلال مؤسسات الحكومة المؤقتة بالتعهدات التي قطعتها سابقاً بشأن تأمين الكهرباء.
بالتوازي مع الحصار، وثّقت مصادر محلية ومنصات إعلام كردية إقدام فصائل تابعة للحكومة السورية المؤقتة على تنفيذ عمليات نهب وسلب واسعة النطاق في القرى الكردية المحيطة بكوباني، بعد نزوح سكانها قسراً خشية التعرض لعمليات انتقامية من قبل الفصائل التابعة لدمشق.
وشملت عمليات النهب: سرقة المحاصيل الزراعية (القمح، الشعير، الذرة). نهب الجرارات والمعدات الزراعية والمواشي والدواجن وتفريغ المحال التجارية بالكامل ونهب الأثاث المنزلي والأجهزة الكهربائية وسرقة منظومات الطاقة الشمسية ومستلزماتها وسرقة محولات الكهرباء العامة واقتلاع الأسلاك النحاسية وكابلات الكهرباء والإنترنت ونهب الوقود والسيارات الخاصة.
وقد أدت هذه الممارسات إلى حرمان السكان من أبسط مقومات العيش، وضرب سبل الرزق والإنتاج بشكل كامل.
وتؤكد شهادات محلية أن المنهوبات جرى شحنها عبر شاحنات باتجاه مدن ومناطق قريبة مثل الرقة، عين عيسى، وتل أبيض، ما يعزز الطابع المنظم لهذه الانتهاكات، ويضع الحكومة السورية المؤقتة وقواتها المنتشرة في المنطقة في موقع المسؤولية القانونية المباشرة، خاصة في ظل قيام عناصرها بتأمين وتسهيل عمليات النهب، بالاشتراك مع مسلحين من بعض العشائر العربية التي تعمل كقوات رديفة لها فعلياً.
ووثّقت منصات إعلام كردية، خلال أيام قليلة، تعرض القرى والبلدات التالية لنهب شامل أو شبه شامل:
جلبية، خراب عشك، خراب عشك تركع، كوبتبة فوقاني، كوبتبة تحتاني، أبو صرة، صالوكة، ايدقي (سبع جفار)، حم توبك، بيشك، كولي كتي، خراب صارونج، صفرية، كوجكميت، دمرجك شرقي، مزغنة، دمرجك غربي، حجكي، خرابي كوجكك، كرك كيتكان، بلك، منيف، حمدون غربي، بير ناصر، برداغ، توزلجة، توقلي، درفليت، بيرك، منك، برجو، ميل، جيل، عابر، شرابانية، همك، بير جرود، بيرة كور، جورتانك، بير افدو، كن عفتار، جخور غربي، جخر شرقي، درب تحت، قنطرة، مرسر، خان مامد، خويدان، نولك، جوغان، قولان شرقي، قولان غربي، حمدون شرقي، كبر ربن، زنار قول، دافي، نور علي، خراب بركير، شهيد قطي، قراط كرد، قرية عيدو، أسدية، أومرك، ميل (تكرار التوثيق)، اوج قارداش، بوغة، شيقمر، خانك افدو، قولنك، بيرخات.
خرق الاتفاقيات واستمرار الحصار
كان من المفترض رفع الحصار عن كوباني بموجب الاتفاق الموقع بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة في 29 كانون الثاني/يناير 2026، والمعلن عنه في 30 من الشهر نفسه، على أن يبدأ تنفيذه في 2 شباط/فبراير 2026. إلا أن الحصار لا يزال مستمراً حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، في خرق واضح لبنود الاتفاق.
وأدى الحصار إلى تعريض حياة المرضى، ولا سيما مرضى السرطان، لخطر بالغ، نتيجة عدم قدرتهم على مغادرة المدينة لمتابعة جلسات العلاج، ومنع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، ما يشكل تهديداً مباشراً للحق في الحياة والصحة.
وتأتي هذه الانتهاكات ضمن سياق أوسع من الجرائم الجسيمة المرتكبة بحق المدنيين الكرد، في إطار العملية العسكرية التي نفذتها قوات السلطة السورية المؤقتة، ممثلة بـ«هيئة تحرير الشام»، ضد مناطق ذات غالبية كردية، والتي بدأت في 6 كانون الثاني/يناير 2026 باستهداف حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، قبل السيطرة عليهما في 10 كانون الثاني/يناير 2026.
لاحقاً توسعت العمليات إلى مناطق شرق الفرات، عقب تحالف بعض العشائر العربية مع قوات الحكومة المؤقتة، خصوصاً في الرقة وريف دير الزور الشمالي، لتتصاعد الانتهاكات مع وصول العمليات إلى مناطق كردية أخرى، شملت كوباني، الحسكة، وريف القامشلي.
ورغم إعلان قوات سوريا الديمقراطية، في 30 كانون الثاني/يناير 2026، التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، إلا أن الوقائع الميدانية تؤكد استمرار الحصار، إلى جانب تسجيل حالات اعتقال وتعذيب بحق مدنيين.
إن ما يجري في مدينة كوباني وريفها يشكل نمطاً متكاملاً من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، ويستدعي تحركاً عاجلاً من الجهات الدولية المختصة لوقف هذه الانتهاكات، وضمان حماية المدنيين وممتلكاتهم، ورفع الحصار فوراً، وتأمين عودة آمنة وكريمة للمهجرين، ومحاسبة جميع المسؤولين عنها دون استثناء.
English version: Click here









