ترصد منصة “رايتس مونيتور” مشاهد مرئية متداولة حديثاً توثق عمليات تخريب ونبش قبور تعود لمقاتلين من قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في مدن الشدادي ومنبج والرقة شمال وشرق سوريا، في سياق تصعيد عسكري وأمني تشهده المنطقة منذ مطلع كانون الثاني/يناير 2026. وتشير المعطيات الأولية إلى أن هذه الأفعال قد تشكل انتهاكاً جسيماً لحرمة الموتى ولأحكام القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف التي تلزم أطراف النزاع باحترام رفات الموتى وصون مقابرهم من التدنيس أو العبث.
أولاً: الوقائع الموثقة
1. بلدة الشدادي – ريف الحسكة
بتاريخ 21 كانون الثاني/يناير 2026، أظهر مقطع فيديو متداول أحد عناصر ما يُعرف بـ”الجيش العربي السوري” بقيادة هيئة تحرير الشام وهو يقوم بكسر شواهد قبور تعود لمقاتلين من “قسد” في بلدة الشدادي شمالي سوريا. وظهر في التسجيل عبارات تحقيرية بحق المدفونين، من بينها وصف القبور بـ”قبور الخنازير”، وسط ترديد شعارات دينية.
يُظهر التسجيل اعتداءً مباشراً على شواهد القبور، بما يشكل مساساً بكرامة الموتى وانتهاكاً لحرمة المقابر، وهو ما تحظره قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، التي تؤكد وجوب احترام جثامين المتوفين وعدم تدنيسها.
2. مدينة منبج
خلال الفترة ما بين 11 و13 شباط/فبراير 2026، تم تداول مشاهد تظهر قيام عدد من الأهالي بنبش قبور في مقبرة تعود لمقاتلي “قسد” في مدينة منبج، وذلك عقب ادعاءات بأن الأرض المقامة عليها المقبرة تعود ملكيتها لأفراد طالبوا بإخلائها ونقل الجثامين.
إلا أن مصادر محلية أكدت أن الأرض مصنفة كملكية عامة تعود للدولة، وليست ملكاً خاصاً. كما أظهرت مشاهد حالة من الفوضى خلال عمليات نقل الرفات، حيث جرى – بحسب ما ورد – نقل بعض القبور على نحو خاطئ، وسط غياب آليات رسمية واضحة أو إشراف قضائي أو طبي مختص.
وأفادت مصادر أخرى بوقوع عمليات سرقة للرخام المحيط بالقبور، يُعتقد أن الغرض منها بيعه أو إعادة استخدامه، ما يعزز الاشتباه بوجود انتهاكات إضافية تمس حرمة المقابر.
3. مدينة الرقة
في مدينة الرقة، رُصدت مشاهد خلال شهر شباط 2026 لنقل جثامين مقاتلين من “قسد” من مقبرتين تقعان شرق وشمال المدينة، استناداً إلى ذات الادعاء المتعلق بملكية الأرض. وأشارت مصادر محلية إلى أن بعض ذوي المقاتلين قاموا بنقل جثامين أبنائهم بأنفسهم، خشية تعرض القبور لاعتداءات أو أعمال انتقامية.
ثانياً: الإطار القانوني
تنص المادة (15) من اتفاقية جنيف الأولى لعام 1949 على وجوب اتخاذ أطراف النزاع جميع التدابير الممكنة للبحث عن الموتى ومنع سلبهم أو تشويههم، وضمان دفنهم باحترام وصيانة قبورهم. كما تؤكد القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما القاعدة (113)، ضرورة احترام رفات الموتى وحمايتها من التدنيس.
ثالثاً: مؤشرات على نمط استهداف
أفادت مصادر محلية بأن عمليات التخريب ونقل القبور تتم بتوجيه من السلطة السورية المؤقتة المتمثلة بـهيئة تحرير الشام، في إطار مساعٍ لمحو أي أثر لقوات سوريا الديمقراطية في المناطق التي شهدت تغيراً في السيطرة، بما في ذلك إزالة الرموز المرتبطة بمقاتليها الذين قُتلوا أثناء قتال تنظيم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.
وفي هذا السياق، أصدر “مجلس عوائل الشهداء في كوباني” بتاريخ 10 شباط 2026 بياناً أدان فيه الاعتداء على قبور مقاتلي “قسد”، واعتبره تعدياً على القيم الإنسانية وحرمة الضحايا، مطالباً المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بتوثيق هذه الانتهاكات والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، والدفع نحو تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة.
رابعاً: السياق العام للتصعيد
تأتي هذه الوقائع في ظل تصعيد عسكري بدأ بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير 2026، حين أطلقت قوات السلطة السورية المؤقتة ممثلة بـهيئة تحرير الشام عمليات عسكرية استهدفت حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، وهما حيان ذوا غالبية كردية، قبل السيطرة عليهما في 10 كانون الثاني/يناير 2026.
لاحقاً، توسعت العمليات إلى مناطق شرق الفرات، لا سيما في محافظة الرقة وريف دير الزور الشمالي، عقب تحالف بعض العشائر العربية مع قوات الحكومة المؤقتة. وامتد نطاق العمليات إلى مناطق كردية أخرى، من بينها مدينة كوباني وريف الحسكة وريف القامشلي.
وتشير توثيقات حقوقية متعددة بما فيها منصة رايتس مونيتور إلى أن الحملة العسكرية خلال الفترة الممتدة من 6 كانون الثاني/يناير 2026 وحتى تاريخ إعداد هذا الخبر، أسفرت عن مقتل واعتقال واختفاء أعداد من المدنيين والمقاتلين الكرد، إلى جانب انتهاكات أخرى شملت القتل العشوائي، واستهداف المدنيين أثناء النزوح، وقصف منازل سكنية.
English version: Click here









